بحلول شهر أكتوبر من السنة الحالية 2017 و بالضبط في التاسع منه، يكون قد مرَ نصف قرن على رحيل الثائر العالمي “ايرنستو شي غيفارا” الذي إغتالته 4 رصاصات أطلقها عميل المخابرات الأمريكيةCIA   بعد أن أصدرت الرئاسة البوليفية أمر بتصفيته في نفس اليوم بعد إجتماع دام 13 ساعة، 51 سنة من بعد، لا تزال قضية إغتيال هذا الأيقونة التي أصبحت رمزا للتحرر و الحرية  تثير الكثير من الجدل، رجل ولد أرجنتينيا كبر كوبيا و مات بوليفيا من أجل الإنسان،القضايا العادلة و الشيوعية  فهل تواطأت هذه الأخيرة أيضاً في مقتله؟

    كـــاسترو:     

إستطاع كاسترو إقناع تشي بالبقاء في كوبا و وعده بثورة لاتينية لكن ريثما يثبت قواعد الدولة الكوبية، أصبح تشي الذراع الأيمن لكاسترو، أولى بوادر الخلاف بين الرجلين ظهرت في ربيع 1963 أين قضى كاسترو أربعين يوما بموسكو قلد بها وسام بطل الإتحاد السفياتي ، إستغل “تشي” الفرصة لإفساد شهرعسل رفيقه و إنتقاد السياسة الإقتصادية السوفياتية و يتوجب على كوبا إن تتبع نهجها الخاص، شعر كاسترو الذي يعتمد مصيره على موسكو بالخطر فأبعد غيفارا عن كوبا بتعيينه سفيرا عام 1964   

مِؤتمر الجزائر 1965

في 24 فيفري 1965 إنعقد في الجزائر مؤتمر الدول الأفروأسيوية ألقى حينها غيفارا خطابا إنتقد فيه الخط السوفياتي و إتهمها بالإستغلال يقول الباحث البريطاني “سيمون ريد هنري  “… في هذا الوقت قد إبتعد تشي بخطوته كثيرا، فبعد مؤتمر الجزائر لم يعد هناك مستقبل سياسي بين الرجلين…” يعود غيفارا الى هافانا في مارس 1965 يستقبله كاسترو بوجه شاحب كان ذلك آخر ظهور لهما إعلاميا، يضع هذا كاسترو رفيق دربه السابق تحت الأقامة الجبرية في منزل الأمن، لم يعرف كاسترو ما يفعله بسجينه، يقول الصحفي و الكاتب  الفرنسي سيرغي رافي “… تعالت أصوات في الحزب الشيوعي الكوبي تطالب بإعدامه لإرتكابه الخيانة الوطنية العظمى …”  قام كاسترو بالإفراج عنه بعد 4 أيام  بشرط الذهاب في شخصية مزيفة الى الكونغو في نية لتخليصه من الإعدام و نجاة كاسترو من ضغط السوفيات . وكان ذلك في أفريل 1965 يصل “التشي”  في شخص السيد رامــــون الى الكونغو  لم يكن شعب الكونغو يؤمن بالماركسية و لا بالثورة وهنا يرى الباحث الكـــوبي ألبيرتو مولير أن كاسترو تلاعب بغيفارا للخلاص منه ، لم يعد شيئ إسمه تشي غيفارا الآن.

الإتحاد السوفياتي :

أثناء مفاوضات أزمة الصواريخ عام 1962 بين كينيدي و خروشوف قال غيفارا “..أنا مستعد لتدمير نيويورك ..” كلمة أثارت إنتباه الروس و تقول الخبيرة السياسية جانيت هابل  “… بعدما أقنع كينيدي خروشوف بالتراجع، سحب صواريخه دون علم كاسترو، ما أثار سخط غيفارا الذي نعتهم بالخونة ما دفع بالسوفيات لمطالبة كاسترو بإبقاء الأرجنتيني تحت المراقية..”   

في الثالث من أكتوبر من سنة 1965 و تحت ضغط سوفياتي يعلن كاسترو في المؤتمرالاول للحزب الشيوعي إبعاد غيفارا من اللجنة المركزية للحزب و يرى الباحث الكوبي “جاكوبو ماتشوفر” أن من هذه اللحظة رسم السوفيات خطة موت التشي سياسيا، أصبحت كوبا محرَمة على غيفارا أما هذا الأخير فقد شعر بالخيانة .

ضغوطات الروس لم تتوقف الى هذا الحد بل تعدت ذلك، غيفارا الذي فشل في الكونغو، شعر أنه حان الوقت لإشعال ثورة في بلده، منعته الروس من ذلك و يقول “سيرغي رافي” في ذلك “… يريد غيفارا العودة الى الأرجنتين و يخبره كاسترو أن ذلك مستحيلا لأن الروس لا يريدون أي عمليات عسكرية في الأرجنتين  فالأحزاب الشيوعية ناجحة جدا و الحقيقة عكس ذلك لا نريد منقذاً في أمريكا الجنوبية …”

بوليفيا ، فخ  كاسترو و الإتحاد السوفياتي :

يقول ألبيرتو مولير  ” أن بوليفيا هي البلد الوحيد الذي إستفاد من قانون إستصلاح الأراضي منذ1954 كانت الارض مقسمة بين المزارعين بإنصاف الكل كان مسرورا, فما المغزى من إرسال “…التشي” لشن حرب عصابات في بوليفيا كان ذلك أشبه بالإنتحار حتى أن التشي لم يكن يريد ذلك ….”، وعد “كاسترو” “غيفارا” بدعم الحزب الشيوعي البوليفي، لكن الواقع عكس ذلك فقد عارض الحزب أن تكون بوليفيا جبهة قتال في لقاء بين “غيفارا” و سكرتير الحزب اللواء ” ماريون مورخي”  حيث حذرَ الاتحاد السوفياتي بأن وجود التشي في الأراضي الكوبية و أنه غير مرغوب فيه في هذا البلد،  كان ذلك بمثابة النهاية ل”غيفارا” كان معزولا عن كل شيء، يقول الدبلوماسي و الباحث في الشأن الكوبي “بيير مالغون”   “…لم يكترث أحد في هافانا بإنقطاع أخبارهم (جماعة غيفارا في بوليفيا)  فقد تم إستدعاء الوسيط إيفان مونتيرو ولم يتم إستبداله، كان ذلك أمرا متعمدا للتخلي عن مجموعة غيفارا…”

الحلقة الأخيرة للقضاء على غيفارا كانت إرسال كاسترو للفيلسوف الفرنسي ” روجيس ديبراي” لزيارة غيفارا بجواز سفره الحقيقي، كل أجهزة الإستخبارات  الأمريكية و البوليفية كانت تتعقبه منذ وصوله الى لاباز وإعتبر الكاتب “سيرغي رافي”  أنها لعبة من الاستخبارات الكوبية ، يوميين بعد لقاء “غيفارا” مع “ديبراي” يلقى القبض على هذا الأخير لتكشف آخر أوراق اللعبة

في شهر أوت من سنة 1967 يزور رئيس الوزراء السوفياتي كوسيغن  الولايات المتحدة، يعلمه الرئيس جونسون بعمليات غيفارا و تحركاته ، أثناء عودته الى موسكو يتوقف بالجزيرة الكوبية  و يأمر كاسترو بقطع كل علاقة تربطه بغيفارا و مجموعة بوليفيا، لتنتهي قصة أعظم شخصية في القرن العشرين يوم التاسع من أكتوبر من نفس السنة .

أراد الشويوعيون السلطة وأراد غيفارا ثورة، أراد كاسترو بلداً و أراد غيفارا مستقبلا مختلفا

حاول غيفارا و كاسترو السير في طريق مظلم بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفياتي فقد إستطاع غيفارا توحيد الطرفين ضده و إستطاع كاسترو الإحتفاظ بسلطته تعايشت هذه الأفكار المتوازية و كانت تدفع بعضها بعضا قدما الى أن استحالت التوافق فوصل المشروع الى النهاية فمن قتل “التشي” ؟ الشيوعية؟ السياسة؟ السلطة ؟ أم كــــــاسترو ؟

عزيز حمدي