في هذا التحقيق الحصري يكشف موقع ” ألجيري بارت ” الرداءة و الخلل الموجود على مستوى الإدارة الجبائية الجزائرية ،بحيث إستفاد مجمع” لافارج ” الفرنسي الذي إشترى شركة أوراسكوم للإسمنت بقيمة 8.8 مليار دولار من مزايا جبائية عديدة ممنوحة من طرف الإدارة الجبائية الجزائرية و بالتحديد المدير السابق لمديرية الشركات الكبرى السيد غنو محمد ،الذي تولى إدارة هذه المديرية منذ سنة 2008 إلى غاية 29 / 05 / 2017 و الذي تولى فيما بعد منصب مدير عام بالنيابة للضرائب ما بين فترة 29 / 05/ 2017 إلى غاية 15/06/2017، و كذلك نائبه السابق المكلف بتسيير الملفات الجبائية للشركات الأجنبية الخاضعة للقانون الجزائري مند سنة 2005 السيد فلاح عمار ،و الذي تم تحويله فيما بعد إلى المفتشية العامة للخدمات الجبائية.

كيف إستطاعت شركة ” لافارج ” أن تخون ثقة الجزائريين ؟
لقد إستفاد مجمع ” لافارج ” الجزائر الواقع مقره ببلدية باب الزوار – الجزائر العاصمة من إتفاقية إستثمار موقعة مع الوكالة الوطنية لتطوير الإستثمار و المصادق عليها من طرف المجلس الوطني للإستثمار و المنشورة في الجريدة الرسمية رقم 72 المؤرخة في 13 /11/ 2004، و تهدف هذه الإتفاقية الى تحديد الحقوق و الواجبات الواقعة على عاتق مجمع ” لافارج ” الجزائر مقابل بناء مصنع إسمنت بولاية المسيلة.
و تتمثل الإمتيازات التي إستفاد منها مجمع ” لافارج ” طبقا لأحكام القانون 01 – 03 المؤرخ في 13/ 08 / 2001 المتعلق بتطوير الإستثمار فيما يلي :
* في مرحلة إنجاز الإستثمار
1 – الإعفاء من حقوق نقل الملكية العقارية المتعلقة بإنجاز المشروع .
2 – تطبيق رسوم ثابتة على معدل تسجيل اثنين في الألف (2٪ 0) لأعمال الشركة ورأس المال الزيادات.
3 – تكفل الدولة بنسبة 50 بالمائة من المصاريف المدفوعة في إطار تشييد البنية التحتية المتعلقة بإنجاز المشروع.
4 – الإستفادة من امتياز على ضريبة القيمة المضافة لجميع السلع والخدمات التي تدخل مباشرة في تنفيذ الاستثمار، سواء المستوردة أو التي تم شراؤها من السوق المحلية.
5 – تطبيق خفض سعر الفائدة على الرسوم الجمركية للسلع المستوردة التي تدخل مباشرة في إنجاز الاستثمار.
* في مرحلة إستغلال المشروع
1 – إعفاء لمدة 10 سنوات إبتداءا من تاريخ إستغلال المشروع من الضريبة على الأرباح و الضريبة على النشاط المهني .
2 – الإعفاء من الضريبة العقارية لمدة 10 سنوات إبتداءا من تاريخ إنتقال الملكية العقارية المتعلقة بالمشروع الإستثماري .
3 – تأجيل العجز عن السنوات السابقة لمدة خمس (05) سنوات.
و في المقابل يلتزم مجمع ” لافارج ” الجزائر بإحترام جميع الإلتزامات الواردة في إتفاقية الإستثمار الموقعة مع الوكالة الوطنية لتطوير الإستثمار و بالأخص الإلتزامات المتعلقة بإحترام قوانين العمل و البيئة و المجال التجاري و الجمركي .
غير أن موقع ألجيري بارت إكتشف العديد من الخروقات قام بها مجمع “لافراج ” الجزائر و المتعلقة بمجال الجباية و الضريبة و أيضا مجال تحويل العملة الصعبة ،و ذلك منذ تاريخ 2008 ،و قد تمت هذه الخروقات بعلم و تواطؤ المسؤولين المشار إليهم أعلاه على مستوى الإدارة الجبائية – مديرية الشركات الكبرى –
و تتمثل هذه الخروقات في عدم إستثمار مجمع ” لافارج ” الجزائر للأرباح و الأموال التي إستفادت منها المجمع في إطار الإمتيازات المتحصل سواءا على مستوى إنجاز المشروع الإستثماري أو على مستوى إستغلال المشروع الإستثماري خلال السنوات 2008 ، 2009 ، 2010 ،2011 ، 2012 ، 2013 ، بحيث أنه كان من المفروض على المجمع أن يستثمر هذه الأموال في الجزائر غير أنه قام بتحويل هذه الأموال إلى الخارج بطريقة غير قانونية و هذا لفائدة الشركاء و المسيرين .
و تشكل هذه الأفعال مخالفة لأحكام المادة 142 من قانون الضرائب المباشرة المعدلة بموجب المادة 57 من قانون المالية لسنة 2009 و المادة 05 من قانون المالية لسنة 2014 و أيضا أحكام الإتفاقية الموقعة مع الوكالة الوطنية لتطوير الإستثمار،و قد كلفت هذه الخروقات الخزينة العمومية خسائر قدرها 200 مليون أورو أي ما يقارب 20 مليار دينار جزائري .
و نشير أن هذه الخروقات ما كانت أن تقع دون وجود تواطؤ على مستوى الإدارة الجبائية – مديرية الشركات الكبرى – و ذلك بإعتبار أنه لا يمكن للشركات الأجنبية أن تقوم بتحويل أي مبالغ مالية نحو الخارج دون موافقة مديرية الشركات الكبرى ،عملا بأحكام المادة 182من قانون الضرائب المباشرة .
و بالتالي كان من المفروض على القائمين على مديرية الشركات الكبرى أن تراقب مدى إحترام مجمع لافارج لواجبها المتمثل في إعادة إستثمار المبالغ المالية و الأرباح الناجمة عن الإمتيازات الجبائية التي إستفاد منها قبل أن تمنح أي موافقة لمجمع ” لافارج ” ،و مع ذلك منحت مديرية الشركات الكبرى هذه الموافقة دون فرض اي رقابة .
و نلفت الإنتباه أيضا انه زيادة على الموافقة التي منحتها مديرية الشركات الكبرى و المتعلقة بتحويل المبلغ المالي المشار إليه سابقا و المحدد بـ 200 مليون أورو، قامت مديرية الشركات الكبرى أيضا بمنح موافقة لمجمع ” لافارج ” الجزائر سمح له بتحويل أرباح مختلفة ما بين سنة 2008 و 2015 بلغت قيمتها 100 مليار دينار أي ما يعادل 10 ألاف مليار سنتيم .
و تجدر الملاحظة إلى أن رئيس مصلحة منح تراخيص التحويلات على مستوى مديرية الشركات الكبرى السيد أحمد عدون رفض منح الموافقة لمجمع ” لافارج ” الجزائر و قام بلفت إنتباه السيد فلاح عمار بموجود خروقات تحول دون تقديم الموافقة للمجمع ،غير أن السيد فلاح عمار صرح له بأنه سيوقع على هذه الموافقة شخصيا بناءا على طلب و موافقة مدير مديرية الشركات الكبرى السيد غنو محمد .
و في شهر أكتوبر 2015 قام رئيس مصلحة الصناعة على مستوى مديرية الشركات الكبرى السيد شيخي فريد و المكلف بمتابعة الملف الجبائي الخاص بمجمع ” لافارج” الجزائر بإخضاعها لتسوية و تعديل ضريبي نتيجة إرتكاب المجمع لمخالفات عديدة ، تتمثل في :
1 – عدم التزام المجمع بإعادة استثمار جزء من أرباحها للسنوات المالية 2008 – 2013 .
2 – التوزيع المالي الغير منتظم للأرباح خلال سنوات النشاط 2008 – 2013 .
3 – التحويل الغير قانوني للأرباح نحو الخارج خلال السنوات 2008 – 2013 .
4 – المخالفة الواضحة و الصريحة لأحكام المادة 142 من قانون الضرائب الغير مباشرة .
مع العلم أن أحكام المادة 142 من قانون الضرائب الغير مباشرة تقضي بفرض عقوبة تتمثل في إعادة تسديد الإمتيازات الضريبية المتحصل عليها زائدة غرامة ضريبية تقدر بـ 30 بالمائة ،و يقدر المبلغ المالي الواجب دفعه من طرف مجمع ” لافارج ” الجزائر في إطار التسوية و التعديل الضريبي بـ 20 مليار دينار أي ما يعادل 2000 مليار سنتيم و بالعملة الصعبة ما يقارب 200 مليون أورو مثلما تظهره الوثيقة التي بحوزة ألجيري بارت .
و من خلال هذه الوثيقة نلاحظ أن التسوية الضريبية موقعة من طرف السيد فلاح عمار ،أي نفس الشخص الذي وقع على الموافقة التي تسمح لمجمع ” لافارج ” الجزائر بتحويل أرباح بطريقة غير قانونية .
و قد منحت الإدارة الجبائية مجمع ” لافارج ” الجزائر مهلة 30 يوما للرد على التسوية الضريبية طبقا لأحكام المادة 19 من قانون الإجراءات الجبائية ،و ذلك إبتداءا من تاريخ 18 / 10 / 2015 و هو تاريخ تبليغ المجمع بالتسوية الضريبية .
و قد قدم مجمع ” لافارج” الجزائر من جهته عدة أجوبة لمحاولة تبرير و توضيح هذه الخروقات الصادرة ،إلا أن المختصين في المجال الضريبي يرونها غير مقنعة و غير جدية ،و يحوز موقع ألجيري بصفة حصرية على وثيقة الأجوبة التي قدمها مجمع “لافارج” الجزائر .
* ملاحظات هامة
تجدر الملاحظة إلى أن مدير الضرائب أنذاك السيد عبد الرحمان راوية و الذي يتولى حاليا وزارة المالية في حكومة عبد المجيد تبون قام بطلب رأي مديرية التشريع و التنظيم الجبائي فيما يخص التسوية الضريبية المفروضة على مجمع ” لافارج ” الجزائر ،وقد أصدر القائم على مديرية التشريع و التنظيم الجبائي السيد مصطفى زيكارة تعليمة مؤرخة في 13 / 12 / 2015 تحمل رقم  (n° 1310/MF/DGI/DLRF/SD1/CL/2015


قدم بموجبها رأي قانوني مؤيد لقرار مديرية الشركات الكبرى الذي قضى بفرض تسوية ضريبية على مجمع ” لافارج ” الجزائر ،غير أنه قام بموجب نفس التعليمة بتحميل مديرية الشركات الكبرى مسؤولية حدوث هذه الخروقات و التجاوزات ،فالمديرية حسب رأيه لم تقم بدورها كما يجب في هذا الملف و لم تتخذ الإحتياطات اللازمة ، بل ذهب أبعد من ذلك و ذكر بأن مديرية الشركات الكبرى تتعامل بإزدواجية فيما يخص دراسة الملفات مما يشكل مساس بسمعة و صورة الإدارة الجبائية الجزائرية ،و يقدم موقع ألجيري بارت لقرائه بصفة حصرية نسخة من هذه التعليمة .
و بالرغم من وضوح أحكام المادة 149 من قانون الضرائب المباشرة و التعليمة الصادرة عن مديرية التشريع و التنظيم الجبائي ،و بالرغم من إنتهاء المهل القانونية لم تقم مديرية الشركات الكبرى بإتخاذ أي إجراء فيما يخص التسوية الضريبية المفروضة على مجمع ” لافارج ” الجزائر بسبب التجاوزات التي إرتكبها .
و نتيجة لذلك قرر مجموعة من الموظفين التابعين لمديرية الشركات الكبرى في الثلاثي الأول لسنة 2016 إخطار الديوان المركزي لمحاربة الرشوة الذي قرر فتح تحقيق فيما يخص هذه التسوية الضريبية.
غير أنه و على عكس جميع التوقعات قام مدير مديرية الشركات الكبرى ونائبه بتوجيه إخطار نهائي لمجمع ” لافارج” الجزائري مفاده إلغاء التسوية و التعديل الضريبي الذي كان مفروض على المجمع ،و قد إستند لتبرير ذلك على تفسير خاطىء و غير قانوني لمبدأ الأثر الرجعي المنصوص عليه في القرار الوزاري رقم 104 المؤرخ في 28 / 11 / 2016 المحدد لكيفية تطبيق أحكام المواد 02 و 51 من قانون المالية لسنة 2016 ،مع العلم أن المادة من قانون المالية لسنة 2016 قد عدلت المادة 149 من قانون الضرائب المباشرة ،غير أن مضمون المادة 02 من قانون المالية لسنة 2016 لم يدخل حيز التنفيذ إلا إبتداءا من تاريخ 02 / 01 / 2016 و بعد صدور القرار الوزاري رقم 104 .


و بالتالي لا يمكن للنشاطات الاستثمارية السابقة لسنة 2015 الإستفادة من المزايا االمنصوص عليها في أحكام المادة 02 من قانون المالية لسنة 2016 ،و أحكام القرار الوزاري رقم 104 المؤرخ في 28 / 11 / 2016 ،و يعرض موقع ألجيري بارت بصفة حصرية على قرائه نسخة من الإخطار الموجه من طرف مديرية الشركات الكبرى لمجمع ” لافارج” الجزائر .
* خلاصة
1 – قيام مجمع لافارج الجزائر الذي أنجز مصنع الإسمنت بولاية المسيلة بتحويل الأرباح نحو الخارج خلال سنوات 2008 ، 2009 ، 2010 ،2011 ، 2012 ، 2013 بشكل يخالف أحكام القوانين الجبائية و البنكية .
2 – المبالغ المالية التي تم تحويلها بطريقة غير قانونية نحو الخارج مقدرة بـ 100 مليار دينار أي ما يعادل مليار دولار .
3 – فرض تسوية ضريبية على مجمع ” لافارج الجزائر في شهر أكتوبر 2015 بهدف إسترجاع مبلغ مالي قدره 20 مليار دينار أي ما يعادل 200 مليون أورو .
4 – إستفادة مجمع ” لافارج” من مزايا غير قانونية في إطار الرد على التسوية الضريبية المفروض عليها ،و بالأخص إستفادتها من أجال رد طويلة جدا .
5 – إصدار مديرية التشريع و التنظيم الجبائي لتعليمة تؤيد بموجبها التسوية الضريبية المفروضة على مجمع ” لافارج” الجزائر ،و في نفس الوقت تعاتب مديرية الشركات الكبرى على عدم القيام بواجبها و عدم إتخاذها للإحتياطات اللازمة .
6 – إلغاء التسوية الضريبية المفروضة على مجمع ” لافارج ” بناءا على تفسير خاطىء لمبدأ الأثر الرجعي المنصوص عليه في القرار الوزاري رقم 104 المؤرخ في 28 / 11 / 2016 المحدد لكيفيات تطبيق المادة 02 و 51 من قانون المالية لسنة 2016.
و في الأخير نطرح سؤالين ذات أهمية بالغة ،السؤال الأول هو لماذا و كيف إستفاد مجمع ” لافارج” الجزائر الذي أنجز مصنع الإسمنت بولاية مسيلة من كل هذه الإمتيازات العديدة الممنوحة من طرف الإدارة الجبائية و التي كان لها عواقب وخيمة على الخزينة العمومية ؟ و لماذا إستفاد هذا المجمع من التراخيص اللازمة لتحويل الأرباح في حين أن شركات مستثمرة أخرى لم تستفد من هذا الإمتياز ؟ هنا يتوقف عملنا كصحفيين ،و يبدأ عمل العدالة التي يجب عليها أن تتحرك للإجابة عن هذه التساؤلات .

عبدو سمار
– ترجمة –