يعتبر الديوان الوطني المهني للحبوب مؤسسة ذات ذات طابع صناعي و تجاري ،و يعد هذا الديوان بمثابة الهيئة الرسمية المكلفة بتلبية حاجيات الجزائريين فيما يخص الحبوب و مشتقاته و ذلك منذ سنة 1962 .

و نشير أن إنتاج القمح الجزائري ضعيف جدا فالإنتاج الوطني ما بين سنة 2009 و 2015 لم يتجاوز 03 مليون طن سنويا ،و هذا بسبب عدة عوامل أهمها العامل المناخي ،و بالتالي تضطر الجزائر إلى إستيراد القمح و غيرها من الحبوب كالشعير من الخارج ،و يمارس الديوان الوطني المهني للحبوب إحتكار شبه كامل على عملية الإستيراد ،فهو يقوم بإستيراد سنويا ما يقارب 80 بالمائة من إحتياجات السوق الوطنية ،مع العلم أن هذا الديوان يرفض تقديم الأرقام حول مشتريات القمح و غيرها من الحبوب بحجة أن هذه المعطيات حساسة و إستراتيجية .

غير أن هذه الأرقام نجدها في مواقع الأنترنيت التي تهتم بالشأن المالي و الإقتصادي كموقع ” رويترز “ ،و نجدها كذلك لدى المركز الوطني للإعلام الآلي و الإحصاءات التابع لمصالح الجمارك ،فالجزائر إستوردت سنة 2012 حاجياتها من الحبوب بقيمة 3.18 مليار دولار و 3.16 مليار دولار في 2013 و 3.54 مليار دولار في سنة 2014 و 3.43 مليار دولار في سنة 2015 ،و إستمر تراجع قيمة الوارادت من الحبوب في سنة 2016 .

مع العلم أن تراجع قيمة الواردات الجزائرية في مادة الحبوب لا علاقة له بتراجع الإستهلاك الوطني ،و إنما سبب هذا التراجع  يعود الى إنخفاض سعر الحبوب على مستوى السوق العالمي نظرا لإرتفاع حجم الإنتاج العالمي ،فالجزائر تستورد سنويا ما يقارب 10.5 مليون طن من الحبوب ،مما يجعل الجزائر من كبرى الدول المستوردة لهذه المادة .

و يبلغ حجم الإستهلاك الوطني للحبوب ما يقارب 08 مليون طن سنويا ،و وفقا للحسابات التي قام بها السيد عمر زغوان المدير العام للمعهد التقني للزراعات الكبرى فإن الإحتياطي الجزائري لمادة القمح يقارب 5.5 مليون طن ،و هو ما يمثل 08 أشهر من الإستهلاك الوطني ( 8-3 +10.5 ) .

و تتولى وحدة التجارة الخارجية بإعتبارها إحدى هياكل الديوان الوطني المهني للحبوب عملية الإستيراد عملا بالقرار الصادر عن الديوان تحت رقم 009 المؤرخ في 17 / 02 / 2004 ،و يجب أن تأخذ بعين الإعتبار التوقعات المعدة من طرف وحدة الضبط و التسويق و دعم الإنتاج ،كما يجب إحترام خلال علمية الإستيراد دفتر الشروط المعد من طرف وزارة الفلاحة الذي يحدد شروط و متطلبات المادة المستوردة. و بعد أن يقع الإختيار على ممول معين الذي تتوافر فيه جميع الشروط اللازمة ،تقوم وحدة التجارة الخارجية بمراقبة الواردات من حيث الكم و النوع إنطلاقا من ميناء الشحن إلى غاية ميناء التفريغ أي الى غاية وصولها الى الجزائر ،و يتم ذلك بالشراكة مع هيئات رقابة أجنبية كالمجمع السويسري للرقابة SGS ،و عند وصول  الواردت الى الجزائر تشارك هيئات رسمية أخرى كجهاز الجمارك و حتى المركز الوطني للأبحاث النووية في عملية الرقابة و التفتيش .

و بالرغم من كل هذه الرقابة يتم تسجيل نقص في كمية القمح المستورد و يكلف ذلك الخزينة العمومية خسارة كبيرة ،و هذا النقص هو ناتج عن عملية سرقة و نهب ،فقد تمكن موقع ألجيري بارت من خلال التحريات التي قام بها من رصد العديد من النقائص و الثغرات التي تسهل من عملية نهب القمح و غيرها من الحبوب .

نذكر على سبيل المثال أن العمال القائمون على عملية وزن الشاحنات الناقلة للحبوب كانوا في السابق يؤدون اليمين لدى المحكمة من أجل ضمان نزاهة عملهم ،غير أن هذا الإجراء لم يعد معمول به .

و كذلك على مستوى وزن الشاحنات الناقلة للقمح اتضح لنا أنه هناك تواطؤ ما بين هؤلاء العمال المشرفون على عملية الوزن و كذا سائقوا الشاحنات ،بحيث لا يتم وضع عجلات مؤخرة الشاحنة على الميزان مما يسمح بتهريب كمية من الحبوب تتراوح ما بين 03 و 05 طن على مستوى كل شاحنة ،و تباع هذه الكمية المسروقة و المهربة فيما بعد على مستوى السوق السوداء بقيمة 3000 دج للقنطار ،و بالتالي القيمة المالية المسروقة لكل شاحنة يقارب 150 ألف دينار جزائري .

و هناك خلل آخر يتمثل في التصريح الكاذب لدى وصول السفينة ،بحيث يتم التصريح بكمية أقل مما هي موجودة فعلا على مستوى السفينة من أجل سرقة الفارق و بيعه في السوق السواء ،و يتم تعويض هذا الفارق من خلال الشحنة المقبلة القادمة على متن سفينة أخرى ،وذلك من خلال علمية التنظيف التي تتم بعد تفريغ السفينة ،إذ أن الكميات التي تسقط اثناء التفريغ يتم إستعمالها من أجل تغطية الفارق المنهوب خلال عمليات التفريغ السابقة .

و يوجد أيضا حالة غش يصعب رصدها تتمثل في إكتشاف المختبر المركزي و مختبر التحاليل الموجود في الميناء وكلاهما تابعان للديوان الوطني المهني للحبوب لوجود نقص في كمية القمح التي وصلت إلى الميناء و التي لا تتطابق مع الكمية الحقيقية المشتراة و التي من المفروض أن تصل إلى الميناء ،ففي هذه الحالة تقوم أطراف متواطئة على مستوى الديوان بإخطار كل من مالك السفينة و الممول الأجنبي أي مصدر القمح بوجود هذا النقص و يتم إبتزازهما من أجل دفع عمولات بالعملة الأجنبية بالخارج ،لأنه حالة النقص هذه قد تؤدي إلى الحجز على السفينة و إلى دفع المصدر لتعويضات ضخمة .

و بالتالي يمكن ملاحظة الخسائر الفادحة التي تتكبدها الخزينة العمومية الجزائرية بسبب نهب القمح و غيرها من الحبوب ،مما يستدعى تدخل السلطات من أجل إسناد الرقابة على عملية إستيراد الحبوب لهيئات مستقلة عن الديوان كمجلس المحاسبة أو المفتشية العامة للحكومة أو عن طريق إستحداث هيئة مستقلة تتولى هذه المهمة .

عبدو سمار

مترجم