حرب اليمن، حرب على الثقافة…

0
2240

 ستبلغ الحرب في اليمن بحلول خريف 2018 عامها الرابع، حرب أتت بظلالها على الحي و الجامد، و عصفت ب 28 مليون شخص يعيشون تحت حتمية التقتيل، التشريد والأوبئة الفتاكة، إلى جانب تفكيك الزخم الثقافي اليمني الذي يمثل أحد أوتاد الثقافة العالمية و العمود الفقري للثقافة في المنطقة العربية، فسيفساء ثقافي صار مهددا كما لم يكن من قبل و في نفس الوقت تمثل هذه الفسيفساء بصيص الأمل الذي قد يلم لحمة اليمن الممزقة، فماذا تبكي الثقافة في اليمن؟

صنعاء :

مدينة صنعاء بنيت في واد جبلي يرتفع الى 2200م و أهلت بالسكان قبل 2500 سنة ، صارت قبلة تجارية و ثقافية بداية من القرن السادس ميلادي، أبراج و منازل الأجرالأحمر القديم  بزخرفة متميزة  وطبقات منتصبة 6500 منزل بطابع عمراني متجانس كانت كفيلة تصنع من هذه المدينة أعجوبة تسجل على قائمة التراث المادي لليونسكو

بلد اللغة و الديانات:

الى جانب اللغة العربية الرسمية تستخدم في اليمن لغات أخرى مختلفة  بإختلاف التركيبة العرقية المهددة من طرف الحرب بسبب التحرك المستمر لهذه المجموعات نذكر منها :

اللغة المهرية: مهد اللغة العربية وإحدى اللغات السامية المتواجدة منذ قرون في القسم الشرقي لليمن لها وجود أيضا في دول مثل الكويت و سلطنة عمان

اللغة الشحرية هي لغة ظفار تحديدا. اللغة الشحرية هي إحدى اللغات السامية وتنسب إلى قبائل الشحره سكان ظفار، ويطلق عليها أيضا الجبالية، وتعتبراللغة الشحرية مشتقة من اللغة الحميرية الأم.

اللغة الحميرية: مستعملة حاليا من قبل  قبائل خولان الحميرية في منطقة سراة خولان وصعدة وبعض القبائل الأخرى في تهامة وعسير. و قد كان استعمالها واسع النطاق قديما في شبه الجزيرة العربية في القرن الخامس و السادس ميلادي و قد وردت كلمات منها في القرآن

لغة الهوبيوت: يتراوح عدد ألسنتها حوالي 800.000 متحدث و هي إحدى اللغات السامية المهددة بالانقراض نتيجة تهجير سكانها نحو دول الجوار (عمان) بسبب الحرب

و على حسب اللغة فالمجتمع اليمني يتنوع إلى حميريين و بلوشيين ، هبيوت و مهرة إضافة الى الصوماليين ذو الاصول الافريقية ، يمثل الاسلام الديانة السائدة في اليمن بتنوع مذاهبه السنية الزيدية الشافعية و الشيعية مع تواجد مسيحي في بعض المناطق مثل نجران كان اليمن إلى غاية خريف 2014  قدوة في التعايش الديني

مهد الفنون:

العمارة: أول فن يلمح في اليمن هو فن العمارة فقد إنفردت اليمن في هندستها العجيبة في عماراتها الممتدة على قمم الجبال بطريقة ملهمة  

الموسيقى:

كانت الموسيقى ممنوعة زمن الإمامة الزيدية مع ذلك قاوم اليمنيون و حافظوا على موسيقتهم المرافقة لأشعار تكتب غالبا بزيج من اللغات المحلية و العربية الفصحى تحمل رسائل حب و تنتهي بالصلاة على النبي و من أشهرها « يا مكحل عيوني بالسهر ». « أراك طروبا والهاً كالمتيم ». و أشتهر فنانون من القرن الماضي منهم:   محمد مرشد ناجي ومحمد سعد عبد الله وفيصل علوي ومن الأغاني العدنية والحضرمية المشهورة

كما الريشة  – « على مسيري« . و ما يميز أشعار الموسيقى اليمنية أنها مجهولة الكاتب ما جعلها عرضة للسرقة من طرف مغنيو الخليج خاصة

و لليهود نصيب من تراث اليمن الموسيقي فهناك أغنية الدودحية ل شالوم شبيزي الذي عاش في القرن 17 في تعز التي يرددها كل يهود العالم لإضفاء لون الأصالة على ثقافتهم

الرقصات الشعبية:

يحصي ديوان الرقصات الشعبية في اليمن ما لا يقل عن 100 رقصة شعبية التي تختلف بإختلاف المناطق، تعتبر رقصة « البرع » أشهر هذه الرقصات يشترك فيها الجنسان و غالبا ما تستعمل فيها الاسلحة، بخلاف رقصة « الخطوة اليمانية » و التي تعتبر رقصة يهودية ، الرقصات الشعبية اليمنية بدورها محل للقرصنة  فرقصة « زافين » الماليزية رقصة يمنية الأصل من حضرموت

الأزياء و الحلي :

ما يميزالزي اليمني خصوصيته على محاكاة الطبيعة والبيئة والمنطقة الجغرافية التي تنتمي إليها و تجسيد روح الوحدة والانسجام بين فئات وشرائح المجتمع وانتمائه الفكري والعقائدي فأغلب هذه الأزياء تتميز بالأناقة العالية واللمسات الفنية المصاحبة والوجه المحتشم والمحافظ وفوق هذا وذاك تبدو الأزياء التقليدية اليمنية انعكاساً صادقاً وواقعياً لعلاقة الإنسان بالبيئة بكل ما تنتجه هذه العلاقة من تنوع وتلون دائم ومستمر

عرف اليمنيون الأزياء منذ أقدم العصور وبرعوا في صناعتها، فيستعمل في ذلك كل مكونات الطبيعة من جلود البقر وقرون وحيد القرن و العاج  الصوف وشعر الماعز والكتان والحرير والقطن إلى جانب الخامات المحلية اللازمة لصناعة النسيج، الزعفران الفوة و النيلة للصباغة وكانت اليمن تستورد بعض الأقطان الجيدة من الهند، وكان و لا يزال لليمن دورها البارز في مجال صناعة المنسوجات وتسويقها، كانت أسواق اليمن (سوق المخا و صنعاء) قبلة لكل القوافل التجارية الباحثة عن منسوجات مثل البرود و الملايا و النقب و الفوط….أسواق زالت أغلبها نتيجة الحرب و الطرق المقطوعة

الطبخ اليمني يعبر عن موقع اليمن الاستراتيجي فهو يعبر بامتياز عن همزة وصل بين ثقافة شرق افريقيا و القارة الأسيوية الوسطى و وصفات محلية نجدعا في الأردن و ايران مثل المدفون و الوزف و أطباق أخرى مثل المندي والمظبي والمسمن والشفوت والسلتة والجلمة والفحسة والهريس والعصيد

السينما في اليمن عرفت تأخرا مقارنة بدول الجوار ، عرفت ميلادا قويا في بداية الألفية الثالثة  مع فيلم يوم جديد في صنعاء 2005 و قد عملت  السينما على التحذير من الطائفية الدينية لتصدم بواقع الحرب و تعود إلى مدفنها من جديد مع ذلك أصبحت السينما في اليمن وسيلة مقاومة بامتياز فهي تصنع لنفسها مكانا في أكبر المهرجانات مسقطا العديد من الطابوهات .

بعيدا عن السياسة يعتبر اليمن اليوم أمانة كل مثقف حامل لرسالة ثقافية فهذا البلد الذي يشكل فسيفساء من ملايين الأجزاء سيفسد زخرفتها إن ضاع جزء منها، ضرب اليمن هو ضرب للثقافة ثقافة وحدت شعبا و جمعت هويات منعزلة ثقافة أضافت للعالم جمالا ثقافة تشكل خطرا على بلدان ترى في برميل بترولها حضارة بل ثقافة و قوة لرم حضارة أسس لها منذ آلاف السنين – يمن اليوم مسوولية جماعية.

عزيز حميد